09‏/09‏/2009

إلى وزير الصحة المحترم ... مع التحية

معالي وزير الصحة الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز الربيعة        المحترم

هنيئا لك المكانة التي وصلت لها، والسمعة التي اكتسبتها من خلال عمليات فصل التوائم السيامية من شتى أرجاء المعمورة، وحق لك أن تفخر بذلك.

ولكنني بجانب هذه التهنئة أود أن آخذك في عجالة إلى معلم من معالم وزارة الصحة في بلادي العزيزة، ربما لم تسمع به حتى منذ توليك منصبك الجديد.

أود أن أطلعك على جانب فقط من جوانب هذا المعلم المعروف بالمقصب محليا، أو المقبرة، أو الداخل مفقود، أو ..... ...... وسمه ماشئت، والمسجل لدى وزارة الصحة باسم مستشفى القطيف المركزي.

وللمعلومية فقط يقع هذا المستشفى في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ويستقبل جميع الحالات المرضية لمنطقة القطيف وقراها المتناثرة حتى لو لم يكن مؤهلا لاستقبالها سواء لعدم توفر الكادر الطبي المتخصص بها، أو لنقص الأجهزة والمعدات لمثل هذه الحالات. وترفض إدارة المستشفى تحويل الحالات المرضية المتلقاة للمستشفيات المتخصصة في المنطقة لأننا كما أسلفنا سابقا أن الداخل مفقود وكأن كل مريض أصبح ملكا للمستشفى ليقوم الأطباء حديثي التخرج بالتدرب والتطبيق عليه.

إن أسرع طريق للخروج من المستشفى هو التوجه إلى المقبرة في سيارة نقل الموتى. ولكن هناك طرق أخرى بطيئة ولكن في نهاية المطاف ستقودك إلى المقبرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: تكرار إجراء العمليات الخاطئة، وأقصد هنا إجراء العملية لمريض بدلا من مريض آخر قد لايوجد أي أدنى قاسم مشترك بين أسميهما أو مرضهما.

يفتقر هذا المعلم الجميل من معالم وزارة الصحة إلى أبسط  وأهم مقومات المستشفى وهي النظافة حتى في أقسام العناية المركزة والعناية المتوسطة، وحتى لا أبالغ في ذلك فقد التقطت لك بعض الصور التذكارية من قسم العناية لعلك تقوم بطباعتها ووضعها في برواز أنيق وتعليقها بجانب الشهادات والأوسمة التي تفتخر بها.

حين تدخل بكل شوق إلى ذاك المريض وقد يكون أعز إنسان لديك، يعتصر قلبك حزنا وأسى حين ترى أن السرير الذي يرقد عليه ذاك المريض قذر ولا يخلو من المخلفات التي تركتها الممرضات من قفازات مستخدمة، غلاف قفازات، غلاف كحول مطهر، أغطية حقن ... وغيرها من المفاجآت التي تتساءل أحيانا : كيف وصلت إلى هذا السرير.
  
  
 




تطأطأ رأسك خجلا لتصطدم من جديد بمفاجأة أخرى، الأرض بجانب السرير مليئة بالبقع والقاذورات التي لاتعلم مصدرها، وتجعلك تشك بأن هناك كادر خاص بالتنظيف في هذا المستشفى.
 
  
 




ترفع رأسك عاليا لتتهرب من رؤية المكان، ولكن أين المفر؟ السقف مباشرة فوق المريض وبه فتحة ولا تستغرب عزيزي إذا رأيت بعض البعوض أو الحشرات تخرج منها لتستقر على المريض الذي لاحول له ولا قوة.


 
 


تزيح بناظريك نحو الجدار خلف المريض مباشرة لترتسم أمامك الصورة.. أجهزة العناية وقد أكل الدهر عليها وشرب، تراكمت القاذورات فوقها وداخلها ومن حولها، ومازالت تستخدم لهذا المريض.


 
  
  
 


ولا تتفاجأ إذا وجدت مخلفات الحقن الطبية، والتي من المفترض أن تحفظ في صناديق محكمة الأغلاق لايسهل الوصول إليها إلا باختصاصي لتفريغها والتخلص منها. لا تتفاجأ عزيزي إذا وجدتها في صندوق قمامة مفتوح وقد تجد بعض الحقن بجانبه على الأرض أو على الغطاء، ولا تستغرب من ذلك فالمنظر بات مألوفا.




تحاول أن تتهرب من المناظر التي أمامك فتتجه مسرعا إلى دورة المياه، ولكنك تعلم مسبقا ماذا ينتظرك هناك، فقبل أن تدخل انتبه كي لاتتعثر بأكياس القمامة المتراكمة على الباب.


وإذا تمكنت من الوصول إلى دورة المياه، أنصحك بالخروج فورا قبل أن يغمى عليك أو أن تصاب بمرض ما عن طريق العدوى، بالنظر المجرد وبدون استخدام المجهر لك أن تتخيل ما يحويه هذا المكان.


 
  
 




هذه الصور كما أخبرتك غيض من فيض، وحدث ولا حرج عن الرعاية الصحية من قبل الممرضات، ما دام المريض ملجم الفم بقطع وأربطة أخرجته من كينونة الإنسانية إلى كينونة أخرى أعتذر عن ذكرها أو وضع صورة لها حفاظا على مشاعركم الجياشة، وحفاظا على كرامة المريض الذي لم يحفظ له المستشفى كرامة ولم يراعي له حرمة.

هذا المريض غير قادر على الكلام، ولكنك ترى أثر التعذيب على قسمات وجهه المرهق، وجسده المنهك الذي أصبح كالفقاعة المملوءة بالهواء ولا تسأل ما السبب فلن تجد جوابا.

هذا المريض تلون جسده بعدة ألوان: زاهية، داكنة ، شاحبة، زرقاء، خضراء، بنفسجية، حمراء .... وتعلم أنها من الحقن وأجهزة التنقيط المغذية في اليدين والرجلين وتمتد إلى الرقبة وما خفي كان أعظم.

لن أطيل أكثر من ذلك ، فكلما ذكرت شيئا تجدد شريط المآسي محملا بالذكرى المؤلمة، ولك أن تتصور نفسك ترقد في هذا المستشفى أو يرقد هناك أعز إنسان على قلبك دون أن تراعى حرمته وعورته..






04‏/07‏/2009

عندما تصبح الحياة كئيبة

عندما يظلم المكان من حولي، وتذوب الألوان في ناظري و تصبح المناظر رمادية اللون ذابلة..

أعلم أنني حزين لسبب ما، قد أكون واعيا جدا فأدرك السبب، ولكنني في بعض الأحيان يخالجني شعور غريب يتملكني ويسيطر علي، فيتوقف عقلي عن التفكير وأصبح عاجزا عن إدارك الحالة التي وصلت إليها أو حتى معرفة سببها..

قد استسلم أحيانا لهذا الشعور فأغرق في دوامة من الحزن والأسى، وأنجرف في بحر من الكآبة اللانهائية، فأصبح شاردا عن أرض الواقع، مكتف اليدين، مكبل الرجلين، تماما بلا حراك.

ولكنني تعلمت مؤخرا كيف أسبح إلى بر الأمان، متسلحا بالصبر والإيمان. فلا بأس بقليل من الكآبة ولكن ما أسوأ العيش تحت زوبعة من الخوف والقلق وعدم تقدير الذات.

تعلمت كيف ألون الحياة كلما بهتت ألوانها، فأنا أعيش بالطريقة التي أرسمها لنفسي حتى لو قست الظروف ووقفت مضادة لي. أستطيع بكل بساطة أن أرسم ابتسامة على شفتي الذابلتين حتى اعتدت هذه الابتسامة وبات من الصعب أن أعيش دونها حتى في أحلك الظروف، قد يسخر البعض ويعلق قائلا هذا ليس وقت السعادة والابتسامة، ولكنني أقول هذا ليس وقت البكاء والنحيب كذلك. تعلمت أن ابتسم لكل كارثة تحل بي لأنني أعلم أنها في طريقها إلى الزوال بقليل من التفكير والعمل وبكثير من الصبر والإيمان.

فابتسم يا عزيزي كي لا يعرف اليأس طريقه إليك..
ابتسم حتى لا يشل الحزن عقلك المبدع..
ابتسم حتى لا تغرق في بحر من الأوهام ثم تصدم بصخور الواقع..
ابتسم كي تعيش بسلام.....



03‏/07‏/2009

ذكريات المدرسة الابتدائية

من منا لا يتذكر اليوم الأول في المدرسة ؟ وكيف له أن ينساه وهو بداية تجربة جديدة ومخيفة في نفس الوقت؟

نعم كنت قصيرا بحيث كنت أرى طلاب الفصول العليا عمالقة، كنت أخالهم أكبر سنا مما هم عليه، بدا بعضهم متعاونا لطيفا، وبدا الآخر شريرا يريد التسلية بعمل المقالب المضحكة.

كنت أتجول في أرجاء المدرسة خائفا من أن أتيه فلا أعرف الطريق إلى فصلي، وبدت المدرسة رحبة جدا، مليئة بالفصول التي تعج بالمقاعد المتراصة. فقد كنت أشارك زميلي في نفس الطاولة ، لذا بدت المقاعد متراصة فكل ثلاثة طلاب يتشاركون طاولتين.

كنت انتظر وقت الفسحة بفارغ الصبر، ولكن سرعان ما يتحول هذا الانتظار إلى المزيد من الانتظار وأنا أصارع من أجل الوصول إلى المقصف، وكم أنا محظوظ إذا وصلت وتبقى شيء مما لذ و طاب، وأكون محظوظا أكثر لو حصلت عليه ولم ينتهي وقت الفسحة المدرسية.

لا زلت أذكر غبار الطباشير بعد أن يمسحها المعلم من على ظهر اللوح الأخضر، وإذا لم يجد طبشورا أرسل أحدنا في رحلة صيد إلى بقية الفصول نستجدي شيئا منها، كان البعض يرجع خالي اليدين، والبعض الآخر يرجع بغنيمة رائعة فهو لم يحضر طبشورا أبيض فقط، بل أحضر معه بعض الطباشير الملونة لنشبع ناظر أعيننا المرهقة عند التحديق في لوح الكتابة.

ننتظر الحصة الأخيرة بشوق بالغ، يشدونا صوت الجرس وكأنه صوت الحرية بعد معارك طاحنة دامت طوال اليوم فننطلق بأقصى سرعة مكبلين بحقائبنا الثقيلة. وعند المرور بالقرب من البقالات أو مطاعم الوجبات السريعة لا ننسى أن نمد أيدينا في جيوبنا لعلنا احتفظنا ببعض النقود لنسارع بشراء مشروب مثلج يسلينا عن حرارة الشمس التي صهرت رؤوسنا، أو وجبة سريعة متناسين أننا سنتناول الغداء قريبا.

تتكرر المشاهد الأساسية يوميا مع بعض التفاصيل الأخرى، قد تكون سعيدة مشرقة ، وقد تكون كئيبة قاتمة. ولكن حين يتقدم بنا العمر ندرك أنها كانت مشوقة.